الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
176
محجة العلماء في الأدلة العقلية
وفي الاتقان قال ابن الجزري في آخر كلامه وربما كانوا يدخلون التفسير في القراءات ايضاحا وبيانا لأنهم محققون لما تلقّوه عن النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلّم قرأنا فهم آمنون من الالتباس وربما كان بعضهم يكتبه معه وامّا من يقول إن بعض الصّحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب وساء انتهى فظهر منه ادخالهم التفسير في القرآن وكونهم آمنين من الالتباس لو سلم لا يمنع من الالتباس على غيرهم فان خفاء ما كان متّضحا في الصدر الأول على من بعدهم فوق حدّ الإحصاء كما أنه ظهر منه ذهاب بعضهم إلى تجويز بعض الصّحابة نقل القرآن بالمعنى كما جوّز بعضهم اعمال الرأي والاجتهاد في اثبات القراءة ففي الاتقان وقال قوم من المتكلّمين انه يسوغ اعمال الرّأي والاجتهاد في اثبات قراءة وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا في العربيّة وان لم يثبت ان النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلّم قرء بها وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطئوا من قال به انتهى فهذا المجوّز لاثبات القراءة بالرّأى يكتب مصحفه برأيه من غير اعتماد على النقل فيقع في الغلط قطعا وهو عين المدّعى الثالث والعشرون انهم اعتبروا التواتر في القرآن ولم يعتدوا بما نقل آحادا مع أن من القرآن ما ليس بمتواتر ففي الاتقان لا خلاف ان كل ما هو من القرآن يجب ان يكون متواترا في أصله واجزائه وامّا في محلّه ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققي أهل السّنة للقطع بانّ العادة تقضى بالتواتر في تفاصيل مثله لان هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم ممّا توفّر الدّواعى على نقل جمله وتفاصيله فما نقل آحادا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن قطعا وذهب كثير من الاصوليّين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله وليس بشرط في محلّه ووضعه وترتيبه بل يكثر فيها نقل الآحاد قيل وهو الذي يقتضيه صنع الشاطبي في اثبات البسملة من كل سورة وردّ هذا المذهب بانّ الدّليل السّابق يقتضى التواتر في الجميع ولانّه لو لم يشترط لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر وثبوت كثير ممّا ليس بقران اما الاوّل فلانا لو لم نشترط التواتر في المحلّ جاز ان لا يتواتر كثير من المتكررات الواقعة في القرآن مثل فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * واما الثاني فلانه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحلّ جاز اثبات ذلك البعض في الموضع بنقل الآحاد وقال القاضي أبو بكر في الانتصار ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى اثبات قران حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه انتهى واما عدم تواتر كل ما هو من القرآن فلما عرفت من كيفيّة الجمع وما صنعه عثمان فكيف يمكن ان يكون ما شهد به عدلان متواترا أم كيف يقال إن ما لم يشهد به عدلان أو لم يعثر عليه زيدا ولم يستحسنه عثمان ليس من القرآن وسيزداد المطلب اتّضاحا في الخاتمة إن شاء الله اللّه تعالى ومما يوضح المقصود خلو مصحف ابن مسعود من الفاتحة والمعوّذتين بل حكّمه لهما من المصاحف واعتقاده بانّهما ليستا من القرآن ففي الاتقان قال ابن حجر في شرح البخاري قد صح عن ابن مسعود انكار ذلك فأخرج احمد وابن حيان عنه انه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه واخرج عبد اللّه بن أحمد في زيادات السّند والطبراني وابن مردويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال كان عبد اللّه بن مسعود يحك المعوّذتين من مصاحفه ويقول إنهما ليستا من كتاب اللّه تعالى واخرج البزّاز والطبراني من وجه آخر عنه انه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول انما امر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ان يتعوذهما وكان لا يقرأ بهما أسانيدها صحيحة إلى أن